السيد الطباطبائي
218
تفسير الميزان
وقد ذكروا في قوله : ( إن كان الله يريد أن يغويكم ) وجوها من التأويل : منها : أن المعنى يعاقبكم على كفركم ، وقد سمى الله تعالى العذاب غيا في قوله : ( فسوف يلقون غيا ) مريم : 59 . ومنها : أن المراد إن كان الله يريد عقوبة إغوائكم الخلق وإضلالكم إياهم ومن عادة العرب أن يسمى العقوبة باسم الشئ المعاقب عليه ، ومن هذا الباب قوله : ( الله يستهزئ بهم ) أي يعاقبهم على استهزائهم وقوله : ( ومكروا ومكر الله ) آل عمران : 54 أي عذبهم على مكرهم إلى غير ذلك . ومنها : أن الاغواء بمعنى الاهلاك فالمعنى يريد أن يهلككم فهو من قولهم : غوى الفصيل إذا فسد من كثرة شرب اللبن . ومنها : أن قوم نوح كانوا يعتقدون أن الله تعالى يضل عباده عن الدين ، وأن ما هم عليه بإرادة الله ، ولولا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه فقال لهم نوح على وجه التعجب لقولهم والانكار لذلك إن نصحي لا ينفعكم إن كان القول كما تقولون . وأنت بالتأمل فيما قدمناه تعرف أن الكلام في غنى من هذه التأويلات . قوله تعالى : ( أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلى إجرامي وأنا برئ مما تجرمون ) أصل الجرم - على ما ذكره الراغب في مفرداته - قطع الثمرة من الشجرة وأجرم أي صار ذا جرم ، واستعير لكل اكتساب مكروه فالجرم بضم الجيم وفتحها بمعنى الاكتساب المكروه وهو المعصية . والآية واقعة موقع الاعتراض ، والنكتة فيه أن دعوة نوح واحتجاجاته على وثنية قومه وخاصة ما أورده الله تعالى في هذه السورة من احتجاجه أشبه شئ بدعوة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واحتجاجه على وثنية أمته . وإن شئت زيادة تصديق في ذلك فارجع إلى سورة الأنعام - وهى في الحقيقة سورة الاحتجاج - وقابل ما حكاه الله تعالى عن نوح في هذه السورة ما أمر الله به النبي صلى الله عليه وآله وسلم في تلك السورة بقوله : ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك - إلى أن قال - ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة